خدمة البريد الالكتروني
المقالات الجديدة

الحياة تدبّ في سيجارة » سيدرز «

الحياة تدبّ في سيجارة » سيدرز «

عادت سيجارة «سيدرز» إلى واجهة سوق التدخين. لا مفاجأة في الأمر ما دامت أعداد السوريين اللاجئين الى لبنان في ازدياد، وتهريب الدخان إلى سوريا يرتفع. هذه السيجارة المنتجة محلياً لطالما اعتمدت على عوامل خارجية للاستمرار، رغم أن سوق التبغ في لبنان محتكرة من الـ«ريجي»... إنها صناعة الصدفة

محمد وهبة
مثّل المدخّن السوري المستهلك الأول لسيجارة «سيدرز»، نظراً إلى شبهها الكبير بسيجارة «الحمرا» التي كانت تصنّع في سوريا. الشبه بين السيجارتين لا يتعلق بالشكل فحسب، بل يتعلق بالمكوّنات أيضاً، سواء لجهة خلطة التبغ التي تُعرَف بـ«الخرمان» ولجهة المواد الكيميائية المصنّعة التي تمنح المدخّن ما يُعرف بـ«النكهة الأميركية». مستهلكو «سيدرز» قلّة بين اللبنانيين، ولم يزدد عددهم بدليل أن إنتاج الـ«ريجي» كان مستقرّاً لفترة طويلة على ما معدّله 4 آلاف صندوق، أي ما يوازي مليوني علبة دخان.

وبحسب رؤساء البيع والمطلعين على السوق، فإن السوريين المقيمين في لبنان يمثّلون العدد الأكبر من مستهلكي السيجارة اللبنانية، وهو ما يعني أن الطلب السوري عليها ليس حديثاً. وخلال السنتين الأخيرتين، توقف إنتاج سيجارة «الحمرا» في سوريا بسبب القتال الدائر هناك، فيما وفدت إلى لبنان أعداد كبيرة من السوريين الهاربين من المعارك يزيد عددهم على 400 ألف، أي ما يعادل 9.7% من عدد اللبنانيين المقيمين.
ووفق المتابعين والمؤشرات الاقتصادية الصادرة لدى بعض القطاعات الغذائية وأبرزها الصناعات الغذائية في لبنان، فإن هذا العدد من السوريين في لبنان يمثّل زيادة في الطلب الاستهلاكي بنسبة 25%. إلا أن هذه المعادلة لا تنطبق على الدخان الذي يزيد استهلاكه بوتيرة أكبر خلال فترات التوتر والحروب والأزمات الكبرى، أي في أيام تشبه الأيام الحالية بالنسبة إلى اللبنانيين، والسوريين أيضاً أينما كان محلّ إقامتهم. ويعتقد بعض التجار أن معظم إنتاج سيجارة «سيدرز» في لبنان يذهب إلى السوق السورية عبر طرق التهريب حيث الطلب مرتفع جدّاً والأسعار الرائجة تحقق أرباحاً كبيرة للمهرّبين.
بهذه الخلفية ازداد الطلب على تدخين «سيدرز» منذ مطلع 2011، أي تزامناً مع بدء الأحداث في سوريا. وبدأت إدارة الـ«ريجي» تلاحظ نفاد الكميات من السوق المحلية بصورة أسرع، فيما أشاع تجار الدخان أخباراً عن توقف دخول الدخان المهرّب إلى لبنان من سوريا، وارتفاع وتيرة التهريب بالطريق المعاكسة.
ما حصل كان فرصة لإدارة الحصر في لبنان من أجل وضع خطّة لزيادة إنتاج سيجارة «سيدرز» على مرحلتين؛ زيادة الإنتاج من 4 آلاف صندوق شهرياً إلى 15 ألف صندوق، ثم زيادتها إلى 40 ألف صندوق لتلبية الطلب في السوق. وقد طبقت المرحلة الأولى اليوم ليزيد إنتاج «سيدرز» إلى نحو 15 ألفاً، أي بزيادة 275%، إذ اشترت الـ«ريجي» آلة لفّ السجائر بقيمة 1.8 مليون يورو، وهي تنتج 12 ألف سيجارة في الدقيقة الواحدة، ولا تزال تنتظر وصول آلات إضافية يرتقب أن تزيد الإنتاج إلى 40 ألف صندوق شهرياً، أي ما يعادل 20 مليون علبة دخان شهرياً أو 240 مليون علبة سنوياً قيمتها الإجمالية وفق سعر المبيع للمستهلك بقيمة 1500 ليرة تبلغ 360 مليار ليرة، يتراوح فيها هامش الربح لإدارة الحصر بين 15% و20%. لكن هامش الربح من هذه السيجارة قد يصل إلى 40% من سعر المبيع نظراً إلى المضاربة بين التجار والطلب المرتفع عليها، ما جعل هناك فرقاً بين سعرها الرسمي والسعر الرائج في السوق.
تثير خطوة إدارة الحصر الكثير من الذكريات بالنسبة إلى سيجارة «سيدرز» وإنتاج السجائر الوطنية عموماً. ففي السبعينيات، كانت إدارة الحصر تنتج 16 صنفاً من السجائر الوطنية، لكن المصانع لم تجدّد، وتركت أصناف معينة في السوق مثل «بيبلوس» و«صيدون» و«سيدرز»، لكن لم تنجح هذه الأصناف باستثناء الأخيرة بينها. لكن نهضة هذه السيجارة بدأت أيام الحرب الأهلية حيث استمرّ إنتاجها وتسويقها تجارياً مع ارتفاع الطلب عليها. كذلك شهدت صناعة هذه السيجارة نهضة جديدة في التسعينيات حين كان التجّار يصدّرون كميات كبيرة من هذا الصنف إلى السوق العراقية... واليوم تشهد ازدهاراً مماثلاً.
ولهذه السيجارة أعداء كثر، أبرزهم الشركات الأجنبية ووكلاؤها في لبنان الذين عملوا طيلة الفترة الماضية على محاربتها من خلال «شراء» الذمم والضمائر في المصانع، إذ تبيّن لبعض لقيمين على المصانع في تلك الفترة وجود مسامير لعرقلة آلات اللفّ، ووجود مواد بلاستيكية في آلات الفرم... الحرب كانت لها أشكال متعدّدة ووجوه كثيرة لتعطيل الطبخات وضرب النكهة والجودة والنوعية والإنتاج. وبحسب المطلعين، فإن أقرب سيجارة أجنبية إلى سيجارة «سيدرز» هي سيجارة «VICEROY» ورق، وهي تضارب على كل السجائر التي تحمل نكهة أميركية، نظراً إلى كونها مؤلفة من خلطة تبغ تشتمل على تبغ فرجيني وتبغ برلي وتبوغ محلية الإنتاج أيضاً. ورغم أن الكثيرين يعتقدون بانعدام وجود منافسة بين «سيدرز» والسجائر الأجنبية لأن سوق التبغ في لبنان تحتكرها إدارة الحصر، يجزم تجار الدخان، سواء كانوا وكلاء أو رؤساء بيع أو على هامش الاثنين، بأن المنافسة واقعة في الأسواق الخارجية التي تستقبل كميات بواسطة المعابر غير الشرعية، أي أسواق التهريب. فالعراق وسوريا تمثّلان أبرز سوقين للتهريب في الشرق الأوسط حالياً، والشركات المنتجة تسمح لوكلائها في الأردن بالحصول على كميات إضافية لتهريبها إلى سوريا والاستحواذ على حصّة سوقية واسعة هناك بأسعار السوق السوداء، فيما كانت تسمح لوكلائها في لبنان بالقيام بالأمر نفسه لتغطية جزء من السوق السورية السوداء في محافظة دمشق. وبالتالي فإن التنافس بين «سيدرز» والدخان الأجنبي لن يكون على أرض لبنان فقط، بل على معابر التهريب وعلى أرض سوريا أيضاً.

المصدر : جريدة الاخبار

http://www.al-akhbar.com/node/180308

محمد وهبة
المصدر :http://www.al-akhbar.com/node/180308
2013-03-30 02:53:41