الافتتاحية
خدمة البريد الالكتروني
المقالات الجديدة

ماذا لو قَلَب السُنّة المعادلة؟

ماذا لو قَلَب السُنّة المعادلة؟
ماذا لو قَلَب السُنّة المعادلة؟
  \

لم يعرف السنّة اللبنانيون طوال تاريخهم السياسي اتجاهات تمرّد عميقة على "النظام"، وإن كانوا جزءاً رئيساً من الحركة الاعتراضية على الإدارة السياسية للنظام في محطات تاريخية مهمّة. وكانت المحطة الأولى "الثورة البيضاء" ضدّ الرئيس بشارة الخوري في عام 1952، وإن كان الدور الرئيس فيها للزعيم الدرزي كمال جنبلاط كارتداد للصراع الماروني الدرزي على حكم لبنان والموروث من القرن التاسع عشر، وذلك في وقت لم يكن الشارع السنّي قد تعافى تماماً من صدمة اغتيال الرئيس رياض الصلح (1951) الذي شكّل الرافعة الإسلامية لجمهورية الاستقلال.

 

دفع اغتيال الرئيس رفيق الحريري السُنّةَ إلى الانخراط بقوّة في ثورة 14 آذار 2005 لإسقاط النظام الأمني السوري اللبناني الذي كان قائماً حينها

 

 

المحطّة الثانية كانت خلال "ثورة 1958" ضدّ الرئيس كميل شمعون، التي شهدت بروزاً للدور القيادي السنّيّ، سواء في بيروت مع الرئيس صائب سلام، أو في طرابلس مع الرئيس رشيد كرامي، مع استمرار الدور القيادي المتقدّم لكمال جنبلاط، ولا سيّما أنّ خصم "الثورة" كان شمعون غريم جنبلاط في الشوف، وبعدما أسقط العهد مرشحي "الحزب التقدمي الاشتراكي" في انتخابات عام 1953، ما عدا جنبلاط وبفارق أصوات بلغ 613 صوتاً لا غير.

أمّا المحطة الثالثة فكانت في عشيّات الحرب الأهلية مع بروز العامل الفلسطيني في لبنان والانقسام الإسلامي المسيحي حوله وصعود اليسار الذي استطاع كمال جنبلاط احتواءه تحت عباءته. وهو انقسام أدّى بين أسباب أخرى، من أبرزها الاعتراض الإسلامي على الإدارة المارونية للنظام، إلى اندلاع الحرب في عام 1975.

وقد دفع اغتيال الرئيس رفيق الحريري السُنّةَ إلى الانخراط بقوّة في ثورة 14 آذار 2005 لإسقاط النظام الأمني السوري اللبناني الذي كان قائماً حينها.

وكان تحوُّل طرابلس إلى "عاصمة الثورة"، منذ 17 تشرين 2019، في أحد وجوهه، بمنزلة إعلان اعتراض سنّي عميق على السلطة القائمة، خصوصاً أنّ العهد حاول ولا يزال يحاول إعادة صوغ "موقع" رئاسة الجمهورية بما يحيل إلى الصراع والانقسام حوله إبّان الجمهورية الأولى.

 

 

حتّى في عزّ شهر العسل بين سعد الحريري من جهة، وميشال عون وجبران باسيل من جهة ثانية، لم يتوانَ العهد عن "تهميش" الموقع السنّيّ الأول في النظام، وإن لم يكن برضا الحريري فبصمته

 

 

لكنّ الاعتراض السنّيّ كان في كلّ تلك المحطّات اعتراضاً مضبوطاً وغير راديكالي، أي أنّه اعتراض مفتوح دائماً على التسوية وعلى إعادة إنتاج الاستقرار والسلم الأهلي، وهما عبارتان تزخر بهما الأدبيات السياسية السنّيّة. إذ لم يتجاوز الاعتراض السنّيّ مرّةً حدوداً تغدو التسوية بعدها مستحيلة أو حتّى صعبة. دائماً يكون لديهم حفظٌ لـ"خطّ الرجعة". فهم أبناء المدن القديمة بنسيجها الاجتماعي المحافظ وبمصالحها الاقتصادية المتداخلة والمتينة، ويشكّل استقرار النظام مصلحة حيوية بالنسبة إليهم. ولذلك لم يكونوا مرّةً مستعدّين للغلوّ في الاعتراض، وهو ما يفسّر مشاركتهم العسكرية الخجولة والمتردّدة في حرب عام 1975. وليس قليل الدلالة في هذا السياق أن يكون رفيق الحريري الوجه اللبناني الأبرز في "تسوية الطائف"، لأنّ وضع حدّ للاقتتال ما كان ممكناً بشقّه اللبناني إلّا بإدارة شخصية سنّيّة: أوّلاً لأنّ السنّة لم يكونوا طائفة مقاتلة خلال الحرب بخلاف الدروز والموارنة والشيعة، وثانياً لأنّ السنّة هم الأكثر قابلية وصدقيّة للتبشير بمرحلة "السلم الأهلي" وللأسباب المذكورة آنفاً.

حتّى الحركات المسلّحة، التي ظهرت أخيراً في المدن ذات الغالبية السنّية، سواء في صيدا أو طرابلس، لا تشكّل امتدادات اجتماعية عميقة، بل هي حركات شبه معزولة جغرافياً واجتماعياً ولها ديناميكيّاتها الخاصة بمعزل عن النسيج الاجتماعي الراسخ للمدينة.

كلّ هذا المسار التاريخي للسنّيّة السياسية في لبنان هو اليوم محطّ مراجعة في ضوء الأزمة السياسية المفتوحة التي يشكّل استعصاء تشكيل حكومة منذ عام كامل عنوانها الأساسي. وفي الواقع لم يكن الفراغ الحكومي سوى تعبير عن دخول الأزمة مرحلة جديدة أكثر احتداماً وإبرازاً لعمقها الطائفي. إذ إنّ تباشير الأزمة كانت قد بدأت بعد مرور فترة قصيرة على انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، وتحديداً في كيفيّة إدارته، شكلاً ومضموناً، لجلسات مجلس الوزراء. فقد كان من الواضح أنّ "الرئيس القوي" مصمّم على إضفاء طابع رئاسي سلطوي على النظام اللبناني من خلال التحكّم بمجلس الوزراء.

حتّى في عزّ شهر العسل بين سعد الحريري من جهة، وميشال عون وجبران باسيل من جهة ثانية، لم يتوانَ العهد عن "تهميش" الموقع السنّيّ الأول في النظام، وإن لم يكن برضا الحريري فبصمته لأنّ خروجه عن صمته كان يعني سقوط التسوية وخروجه من السلطة. قَبل الحريري بشروط التسوية، لكنّ شارعه ما كان قابلاً بها. ولذلك ما إن استقال الحريري في خريف 2019 حتّى عبّر الشارع السنّيّ براديكالية أكبر عن حقيقة موقفه المناوئ للعهد.

لكنّ اعتذار رئيسين مكلّفين منذ أيلول 2020 جعل أصوات سنّيّة وازنة تدعو نجيب ميقاتي إلى الاعتذار لئلا يكون مصيره كمصير سلفيْه. وحتّى إذا نجح في تأليف حكومة فهو سيكون خاضعاً لشروط عون في إدارة مجلس الوزراء. وإذا قَبِل ميقاتي بهذه الشروط فإنّ الشارع السنّيّ لن يقبل بها حتماً. وفي الحالتين، سواء أُلِّفت الحكومة أو اعتذر ميقاتي، فإنّ الأزمة السياسية الوطنية قائمة لأنّ أسبابها لا تزال قائمة، وهي محاولة العهد مدعوماً من حزب الله الإطاحة باتفاق الطائف، وإن لم يكن بالنصوص فبالممارسة.

 

 

حتّى الحركات المسلّحة، التي ظهرت أخيراً في المدن ذات الغالبية السنّية، سواء في صيدا أو طرابلس، لا تشكّل امتدادات اجتماعية عميقة، بل هي حركات شبه معزولة جغرافياً واجتماعياً ولها ديناميكيّاتها الخاصة

 

 

والحال هذه، تبذل القيادة السياسية للسنّة اللبنانيين الجهد تلو الآخر والتسوية تلو التسوية للمشاركة في السلطة والنظام، فيما المسيطرون على السلطة والنظام، أي العهد والحزب، يرفضون هذه المشاركة، وإذا قبلوا بها فبشروطهم، وإلّا فهم غير مبالين بتعطيل النظام الذي لم يقبلوا به يوماً، لكنّهم شاركوا فيه مرغمين وبهدف الانقلاب عليه عندما يحين الظرف المناسب.

لكن ماذا لو قلب السنّة المعادلة وخرجوا من تلقائهم من السلطة وقاطعوا العهد حتّى نهايته؟ ليس خافياً أنّ هناك تياراً سياسياً وشعبياً يؤيّد هذا الخيار، وهو تيّار قابل للتوسّع إذا ما توسّعت فكرة المقاطعة ذاتها. لكن إذا حصل ذلك فستكون المرّة الأولى التي يبلغ فيها الاعتراض السنّي على إدارة النظام هذا الحدّ، وليس أيّ نظام، وإنّما نظام الطائف الذين هم ركنه الشعبي والسياسي الرئيس.

وفي جميع الأحوال، يواجه السنّة حالة فريدة في تاريخهم السياسي، إذ يُدفعون دفعاً إلى الخروج من نظامـ(هم)، فيما دافع المسيحيون في السبعينيّات عن بقاء نظامـ"هم" كما هو دونما أدنى تعديل. فالسنّة يدافعون عن نظامـ(هم) من خارج السلطة فيما دافع المسيحيون عن نظامـ(هم) من داخل السلطة. والمعضلة السنّيّة تتمثّل في أنّ عودتهم إلى الحكم من خلال تشكيل حكومة لن تجعلهم في موقع القادر على الدفاع عن "نظام الطائف" نظراً إلى رجحان موازين القوى لمصلحة ائتلاف العهد والحزب الذي يسعى إلى الإطاحة باتفاق الطائف من موقع قوّة لا ضعف.

لذلك سيعمِّق تشكيل حكومة من ازدواجية الحركة السياسية ضمن الطائفة السنّيّة: بين دينامية سياسية شعبية تدعو إلى التصلّب في المواقف والدفاع عن اتفاق الطائف وعدم التنازل للعهد والحزب، وبين دينامية القيادة السياسيّة للسنّة المتمثّلة بتجمّع رؤساء الحكومات السابقين، الذين لا يزالون يقدّمون الضحية تلو الأخرى على مذبح العهد والحزب. فهم لا يزالون يحاولون التسوية في وقت استحالت التسوية استسلاماً كاملاً لشروط الائتلاف الحاكم، ولا سيّما في ظلّ العجز الدولي عن الضغط عليه بالعقوبات وسواها.

إقرأ أيضاً: من يأسِر سُنّة لبنان في زجاجة سعد الحريري؟

وأمّا إذا اعتذر ميقاتي فإنّ المشكلة أكبر بكثير، لأنّ اعتذاره يعني الانتقال من أزمة إدارة نظام إلى أزمة نظام مفتعلة من قبل العهد والحزب، وساعتذاك لا يمكن التنبّؤ بمصير الأمور كلّها، لا بمصير الانتخابات النيابية وحَسب.

 

 

 

 

إلي القصيفي
المصدر :أساس ميديا
2021-08-13 21:37:43