الافتتاحية
خدمة البريد الالكتروني
المقالات الجديدة

حكومة الإصلاح والنهوض: \\\"إدارة الأزمات في ظل استمرار الحروب والمواجهات والاغتيالات\\\"

حكومة الإصلاح والنهوض: \\\"إدارة الأزمات في ظل استمرار الحروب والمواجهات والاغتيالات\\\"

حكومة الإصلاح والنهوض: \\\"إدارة الأزمات في ظل استمرار الحروب والمواجهات والاغتيالات\\\"

خمسة عشرة عاماً مرّت على حصول حكومة الإصلاح والنهوض (حكومة السنيورة الأولى) على الثقة من مجلس النواب في 31/07/2005، وهي الحكومة التي كنت عضواً فيها كوزير للشباب والرياضة، وكذلك كوزير للداخليّة بالوكالة للفترة الممتدة من 06/02/2006 وحتى 22/11/2006.
أحببت أنّ أسجّل للتاريخ بعض ما كان لتلك التجربة الحكوميّة من مواقف هامة حصلت في ظلّ ظروف قاسيّة مليئة بالتحدّيات، وكيف تمكنت تلك الحكومة من أن تتولى إدارة الأمور العامة بحكمة ودراية متخطيّة الازمات العاصفة المتلاحقة، وكيف استطاعت في ظلّ أصعب الظروف من تحقيق العديد من الإنجازات المهمة والأساسيّة.
توّلت هذه الحكومة مسؤولياتها إثر انتخابات نيابية تلت ثورة الأرز وإثر خروج القوات السورية من لبنان، والذي تحقق معه ما سٌميَ باستقلال لبنان الثاني عام 2005. وهي قد باشرت تحمل مسؤولياتها في ظروف دقيقة ومضطربة سياسياً وامنياً واقتصادياً. ولقد جرى ذلك بعد أن جرى إفشال خطوة إصلاحيّة أساسيّة قامت بها حكومة الرئيس الحريري الثالثة سنة 1998. إذ كانت تلك الحكومة قد طرحت مشروع قانون إصلاحي يضع آلية شفافة وتنافسية لتعيين موظفي الفئتين الأولى والثانية في المراكز الإدارية الرئيسية في الإدارة وفي المؤسسات العامة كافة في لبنان. ولقد أُرفق معها آلية أخرى لقياس مؤشرات التقدم المحقق في الإنجاز لدى أولئك الموظفين. ولقد طُرح مشروع ذلك القانون ليتم إقراره بالتلازم مع إقرار سلسلة الرتب والرواتب في نهاية العام 1998 وذلك في قانون واحد. للأسف، فقد جرى إلغاء تلك البنود الإصلاحيّة عند إقرار ذلك القانون بناءً لإصرار رئيس الجمهورية المنتخب حديثاً آنذاك إميل لحوّد تحت عنوان أنّ فخامته ينوي طرح مشروع إصلاحي شامل، لم يتحقق منه شيئاً طوال سنوات ولايته. ولذلك، فقد جرى إقرار تلك السلسلة مبتورة من أي إصلاح. وبالتالي، فقد جرى إنصاف العاملين في الدولة، وكذلك إنصاف المتقاعدين من خلال زيادة رواتبهم وتعويضاتهم، دون أن يجري إنصاف الدولة ولا إنصاف المواطنين بحقهم في أن تكون لديهم إدارة عصرية محترفة وكفوءة ومنتجة وغير مستتبعة لأهواء المطامع السياسية أو لخدمة الأغراض الزبائنية لبعض السياسيين.
كذلك أيضاً بعد أن تمّ إفشال جميع الإصلاحات التي تعهدّت بتنفيذها حكومة الرئيس الحريري الرابعة في مؤتمري باريس-1 و2 في العام 2002 بالرغم ممّا حققه هذان المؤتمران للبنان من مجموعة من المنافع والمكاسب الاقتصادية والمالية والنقديّة بفضل دعم الأشقاء والأصدقاء المشاركين في هذين المؤتمرين. لقد كان يفترض في حينها أن يبنى على تلك المنافع المحققة من أجل تنفيذ مجموعة من الإصلاحات المالية والإدارية والاقتصادية عبر ترشيق الإدارة وترشيد الإنفاق وتعزيز الواردات واستنهاض الاقتصاد اللبناني، وهي التي جرى تعطيلها أثناء مناقشة موازنة الأعوام 2002 و2003 و2004. وهي الإصلاحات التي عادت وتقدمّت بها وزارة المالية في أيلول من العام 2004 في رزمة واحدة في مشروع قانون الموازنة للعام 2005
أدّى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005 وتداعياته المدمرّة الى تجميد ذلك البرنامج الإصلاحي على أمل أن يصار الى العمل على استكماله في ظلّ حكومة الإصلاح والنهوض والحكومات اللاحقة.
لقد واجهت حكومة الإصلاح والنهوض سلسلة لا تنتهي من الصدمات والتحديات اليوميّة في ظروف أمنيّة واقتصادية وماليّة ونقديّة شديدة الهول.
أولى التحديّات كانت أمنيّة ولاحقاً لاغتيال الشهدين سمير قصير وجورج حاوي تعرّض الوزير الياس المرّ لمحاولة اغتيال في 12/07/2005 بينما كانت الحكومة مازالت في طور التأليف، وهي قد تألفت في 19/07/2005. كذلك وبالرغم من ذلك، فقد قامت الحكومة فور حصولها على الثقّة في 31/07/2005 بالبدء باتخاذ الخطوات الوطنية والسياسية اللازمة ومن ذلك تبنّي موقف واضح وصريح لجهة الرغبة في إقامة علاقة صحيّة ونديّة ومميّزة مع الدولة السوريّة الشقيقة تكون قائمة على التكافؤ والاحترام المتبادل. إلاّ أنّ ذلك التمنّي ظلّ من طرف واحد إذ أنّ منطق النديّة في التعامل ظلّ غير مقبول لدى السلطات السورية.
وفي غمرة استمرار مسلسل الاغتيالات والتفجيرات الإرهابيّة كان على الحكومة أنّ تأخذ قراراً هاماً في 30/08/2005 استناداً الى مذكرة التوقيف التي أصدرها النائب العام التمييزي بحق الضباط الأربعة في قضيّة اغتيال الرئيس الحريري.
لقد وضعت الحكومة ومنذ اليوم الأول لتأليفها ومن أولى أولوياتها تعزيز مبدأ الديمقراطية والحفاظ على الحرّيات العامة في إطار تضميد الجراح الداخليّة والدفع بلبنان إلى الأمام بعدة عبر العمل على تنفيذ عدة خطوات أساسيّة:
لذلك، وفور انطلاقتها أقرّت الحكومة في 02/08/2005 مبدأ تشكيل الهيئة الاستشارية الوطنيّة الخاصة بقانون الانتخابات النيابيّة برئاسة فؤاد بطرس والتي أوكل اليها مجلس الوزراء مهمّة إعداد مشروع قانون لإصلاح النظام الانتخابي.
ثمّ اقترحت الحكومة وبالتوافق مع رئيس مجلس النواب، البدء بتنفيذ تجربة ديمقراطية جديدة، وذلك في ممارسة المحاسبة والمساءلة للحكومة عبر عقد جلسات عامّة أسبوعيّة في مجلس النواب للأسئلة والأجوبة. كذلك، فقد جرى إقرار وإحالة مشروع قانون الى المجلس النيابي كان يرمي الى تعديل بعض مواد قانون المجلس الدستوري لوضع آليه جديدة لاختيار أعضاء المجلس، وذلك دعماً لاستقلاليته وحصانته من التدخلات السياسيّة.
وفي ذات التوجّه أقرّ مجلس الوزراء بتاريخ 08/08/2005 إعادة الاعتبار لقانون الجمعيّات العثماني (قانون 1909)، والعمل بموجبه لجهة الحفاظ على الحريات العامة، وبما يسمح بتشكيل الجمعيّات والأحزاب دون إستنسابيّة سياسيّة غير قانونيّة، كما جرت العادة سابقاً. وعلى أساس من ذلك، تمّ إقرار مبدأ إعطاء العلم والخبر لهذه الجمعيات بشكل إداري لا سياسي. للأسف، فقد تمّ التراجع لاحقاً عن هذا التوجّه وأُعيد العمل بالاستنسابية السياسيّة في هذا المجال.
وفي وزارة الشباب والرياضة جرى إعداد وتنفيذ مؤتمر للشباب اللبناني من الأحزاب اللبنانيّة كافة عُقد في برمانا على مدى يومين من 9 الى 11 تشرين الثاني 2005. وقد شكلّت على أساسه لجاناً مختلطة من جميع الأحزاب (تيّار المستقبل – حزب الله – حركة أمل – الحزب التقدّمي الاشتراكي- القوات اللبنانيّة- التيّار الوطني الحرّ- حزب الكتائب... وغيرها)، وذلك لمتابعة شؤون عمل الوزارات ومطالب الشباب اللبناني منها. إلاّ أنه، وبعد اغتيال الشهيد جبران التويني واعتكاف وزراء الثنائي الشيعي تعطّل عمل هذه المجموعات الشبابيّة.
أمّا على الصعيد السياسي العام فقد أكدّت الحكومة في ممارساتها على الثوابت والمواقف التي قام عليها لبنان في بناء علاقاته الخارجيّة عربيّاً ودولياً مستعيدة بذلك استقلال سياسته الخارجيّة بحيث تكون مبنيّة على الثوابت التي يحددّها اتفاق الطائف وبما يمكن لبنان من استعادة سيادته على أراضيه كافة وتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.
كما بادرت الحكومة الى إنشاء لجنة الحوار اللبناني– الفلسطيني لمتابعة ومعالجة جملة من المشكلات والتعقيدات التي سادت العلاقات اللبنانية– الفلسطينيّة على مدى عدة عقود.
أمّا على الصعيد الاقتصادي فقد كان أولى أولويات الحكومة الالتزام باعتماد وتنفيذ البرامج الإصلاحيّة لتعزيز النهوض الاقتصادي والتأكيد على الاستقرار المالي والنقدي.
وبناء على ذلك، فقد تركّز جهد الحكومة على الأعداد لعقد مؤتمر باريس 3 الذي كان يفترض عقده في بيروت خلال العام 2006، واضطرت الحكومة بعد ذلك لنقله الى باريس لينعقد خلال كانون الثاني 2007، وذلك من أجل تعزيز جهود استعادة الثقة بلبنان وتعزيز نهوضه الاقتصادي، وذلك في ظلّ ظروف شديدة الصعوبة بعد العدوان الإسرائيلي المدمّر وحرب \\\"لو كنت أعلم\\\" في العام 2006 واعتصام حزب الله وحلفائه في وسط بيروت.
في هذا السبيل، ولإضفاء الشفافيّة واعتماد الوضوح بما خصّ الإنفاق العام وأوجهه وخريطته وحجمه والإيرادات ومصادرها وكيفيّة وأسباب تراكم الدين العام، قامت الحكومة بنشر الحسابات المالية كافة من العام 1993 وحتى العام 2006 بشكل مقارن، وهو الأمر الذي كان يفترض أن تتم متابعته فيما بعد وهو ما لم يحصل.
كذلك، فقد أقرّت الحكومة مشروع قانون لتدقيق جميع حسابات الدولة اللبنانيّة ومؤسساتها بموجب المرسوم 17053 تاريخ 25/06/2006 لتدقيق شامل لأدائها وحساباتها من تاريخ إقرار وثيقة الوفاق الوطني في 05/11/1989 وبشكل مستمر، وذلك من قبل شركات تدقيق دولية متخصصّة وعلى أن لا يكون ذلك بديلاً عن الرقابة المؤخرة لديوان المحاسبة. والحقيقة المؤلمة أنه لو تمّ إقرار مشروع القانون هذا لتمّ إخضاع جميع حسابات الإدارات والمجالس والمؤسسات العامة التابعة للدولة اللبنانية لتدقيق مهني ومحترف وكفوء، ولما كان لبنان اليوم في خضم وأتون الخلافات الحادة كالتي نشهدها الآن بشأن اخضاع مؤسسة حكومية دون غيرها لهذا التدقيق. بالطبع هذا المشروع الإصلاحي الأساسي مازال حتّى اليوم حبيس أدراج المجلس النيابي.
على الصعيد الوظيفي تعرضت الحكومة للكثير من المصاعب التي كانت وما زالت تحول دون اعتماد آلية شفافة وتنافسيّة تضمن وضع حد للعلاقة الزبائنية بين السياسيين والمواطنين من خلال استتباع المراكز الإداريّة في إدارات الدولة ومؤسساتها وأجهزتها. على أنه وبعد محاولات جرت في الأعوام 2002- 2003 باءت بالفشل في الوصول الى قانون يلزم الحكومة بآلية شفافة وتنافسية للتعيينات بادرت حكومة الإصلاح والنهوض بإلزام نفسها بتلك الآلية الشفافة والتنافسيّة. فقد أعلنت الحكومة خلال العام 2006 عن 39 مركزاً شاغراً وعممّت الإعلان في الصحف المحليّة والأجنبية. ولقد تقدّم وترشّح لتلك المناصب 2810 مرشحاً.
ولقد عيّنت الحكومة في حينها إثني عشر لجنة لفرز وتحديد ومقابلة المرشحين، وذلك ما عنى الاستعانة بـ52 شخصيّة لبنانيّة من قضاة وأساتذة جامعيين ورؤساء مجالس إدارة ومدراء عامون في القطاع الخاص من المشهود لهم بالكفاءة والحرفية والنزاهة والحيادية المهنية. ولقد تمّ توزيع اللجان وفق الاختصاص على أن تتضمن كل لجنة في عضويتها رئيس مجلس الخدمة المدنيّة ووزير التنميّة الإداريّة.
لقد نجحت تلك التجربة بشكل مذهل، وهي لم تواجه بأي اعتراض حول حياديّة وموضوعيّة وكفاءة تلك العمليّة. ولقد تمّ فرز جميع الأسماء وحددّت اللجان المعنية ثلاثة أسماء لكل موقع. الاّ أنّ استقالة عدد من الوزراء في تشرين الثاني 2006 وتشابك التعقيدات السياسية والأمنية آنذاك حالت دون تمكن الحكومة من تعيين سوى خمسة أشخاص من أصل التسعة والثلاثين موقعاً، وهم أعضاء الهيئة الناظمة للاتصالات ورئيس الهيئة العامة للخصخصة.
كما جرى التقدم على مسارات العودة إلى إعداد الحسابات الوطنية بعد توقف طويل، وذلك ابتداء من العام 1997 وهو ما تحقق، وجرى إنجاز تلك الحسابات القومية حتى العام 2008 آنذاك.
التحدّي الأكبر الذي كان أمام الحكومة تركّز في الحفاظ على الأمن وفي متابعة قضية استشهاد الرئيس الحريري والعمل بإصرار على تأمين العدالة عبر التأكيد على إنشاء المحكمة الدوليّة الخاصة STL. إلا أنّ الأمور كانت في معظم الأحيان تجري عكس المراد أمنيّاً. فلقد استمرت سلسلة الاغتيالات ومحاولات الاغتيال والتفجيرات المتنقلة وأهمّها كانت محاولة اغتيال الصحافيّة الجريئة ماي شدياق في أيلول 2005 واغتيال الصحافي والنائب الشاب جبران تويني في 12/12/2005. وقد انعكس اغتيال الشهيد جبران تويني بشكل سلبي على عمل الحكومة باعتكاف وزراء الثنائي الشيعي بعد أنّ أصرّت الأكثريّة الحكوميّة على إلحاق جرائم الاغتيال ومحاولة الاغتيال منذ 01/10/2004 وحتى تاريخه بالتحقيق الدولي وبالتالي بعمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
لقد استمر الاعتكاف أسابيع عدة قبل العودة عنه بعد طرح الرئيس برّي مبدأ الحوار الوطنّي في المجلس النيابي والذي بدأ في آذار 2006 واستمر حتى 29/06/2006 بحضور الزعماء السياسيين اللبنانيين كافة بمن فيهم السيّد حسن نصر الله. وإن كانت الحكومة قد تعرّضت خلال تلك المرحلة لفتنة تمثّلت بغزوة الأشرفية، والتي جرى تداركها في كل الحكومة بحكمة بالغة. وان طالت المحكمة الدولية في أساس تلك الفتن والاغتيالات التي كانت تتعرض لها الحكومة.
بعد ذلك أتّى التحدّي الكبير الذي واجهته الحكومة عند اندلاع حرب تموز في 12/07/2006 والتي حصلت رغم تأكيدات السيّد حسن نصر الله في جلسة الحوار في 29/06/2006 أنّ المقاومة لا يمكن أن تقوم بأي عمل عبر الخط الأزرق.
لقد قامت المقاومة رغم ذلك بعملية عبر الخط الأزرق في 12/07/2006. ولقد استغلت إسرائيل ذلك الأمر كذريعة لشن حرب شاملة ومدمرّة على لبنان طالت شهراً كاملاً وواصلته بحصار شامل لشهر آخر. لقد تمكنّت الحكومة بدبلوماسية الفصل بينها وبين حزب الله بالإعلان منذ 12/07/2006 أنها لم تكن على علم ولا تتبنى ولم توافق على عملية خرق الخط الأزرق. وبناء على ذلك، نجح لبنان بتجنب كارثة أكبر وتمكّنت الحكومة اللبنانية في أن تكون لها المبادرة في إيجاد الحلول عبر الموافقة بالإجماع على برنامج النقاط السبع بما في ذلك تبنّي السيد حسن نصر الله لتلك النقاط (خطاب 09/08/2006). ولقد أدّى ذلك القرار الى عودة الجنوب الى لبنان عبر إرسال الحكومة بخمسة عشرة ألف جندي لبناني إلى الجنوب، وذلك ممّا سهّل عملية تأليف القوّة الجديدة لليونيفيل.
لقد استمرت الاغتيالات بعد ذلك، حيث جرى اغتيال الشهيد بيار الجميل، في 21/11/2006، وبعدها في اغتيال الشهيد وليد عيدو وابنه والشهيد أنطوان غانم والرائد وسام عيد واللواء فرنسوا الحاج، وبعد ذلك اللواء وسام الحسن والدكتور محمد شطح.
وبالرغم من ذلك، فقد تمكّنت الحكومة، ومن خلال الجهود الاستثنائيّة التي بذلتها في الحفاظ على وحدة اللبنانيين وعلى تضامنهم واحتضانهم لبعضهم بعضاً في التصدّي للعدوان الإسرائيلي وبالتالي في منع إسرائيل من الانتصار وصولاً الى صدور القرار الدولي 1701. ذلك ممّا مكّن الحكومة من أن تؤمن العودة السريعة للمهجرين اللبنانيين الى ديارهم. وقد حظيت حركة الحكومة بتقدير جميع المؤسسات العربية والدولية التي كانت تواكب تلك المرحلة. وقد سهّل أداء الحكومة وجديتها في الحصول على مساعدات محليّة وعربيّة ودوليّة لإعادة الإعمار. وبالتالي في نجاحها في إعادة بناء جزء كبير ممّا دمّره العدوان الإسرائيلي. وبالتالي في إعادة بناء جميع المرافق والبنى التحتية المدمرة، وكذلك إعادة بناء وترميم حوالي 115 ألف وحدة سكنية في الجنوب وبيروت والبقاع والشمال.
لقد بذلت تلك الحكومة قصارى جهودها لاستقطاب الدعم العربي والدولي ولا سيّما في مواجهة تحدّيات الانقسامات الداخليّة والاعتصام في وسط بيروت من 01/12/2006 لغاية نهاية أيار 2008، وتعطيل المجلس النيابي لمدة 18 شهراً وتعطيل انتخاب رئيس الجمهوريّة لمدّة 6 أشهر واستمرار العمليّات الإرهابيّة بالاغتيالات والتفجيرات وصولاً الى الحرب الإرهابيّة في نهر البارد في ربيع وصيف 2007.
رغم كلّ ذلك، فقد تمكنت الحكومة من أنّ تحقق أكبر وأهم إنجاز اقتصادي في تاريخ لبنان في العامين 2007 و2008، وهو النمو الذي استمرّ للعامين التاليين 2009 و2010، والذي وصل إلى حدود الـ9% سنوياً على مدى تلك السنوات الأربع. كذلك، فقد نجحت الحكومة في خفض نسبة الدين العام الى الناتج المحلي بشكل كبير على مدى تلك السنوات، وتمكن لبنان من تحقيق فوائض مالية استثنائية في ميزان المدفوعات على مدى السنوات 2007- 2008– 2009– 2010، والتي تحولت- وياللأسف- إلى أرقام سلبيّة ابتداءً من العام 2011 لغاية الآن.
حكومة الإصلاح والنهوض كان قدرها أن تكون موجودة في ظل ظروف شديدة الصعوبة من اغتيالات وتفجيرات وحروب واعتكافات واعتصامات وأزمات سياسية مستعصية. ولقد بيّنت تلك الحكومة في عملها وانجازاتها عن تجربة هامة في تاريخ لبنان ومنها التدليل على كيف من الممكن أن تتم إدارة الأزمات الوطنية والسياسية والحكومية في تلك الظروف الصعبة.
ويبقى الإنجاز الأهم وهو ما طالب به الشعب اللبناني فور اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أي إقرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بقرار من مجلس الأمن في نيسان 2007 تحت البند السابع.
الكثير من الدماء التي سالت والدموع التي ذرفت والأموال التي دفعت في سبيل تحقيق ذلك الإنجاز بهدف حماية الحياة السياسية الحرّة في لبنان من آفة الاغتيال والإرهاب السياسي المتمادي على مدى عقود. وتشاء الصدف أن المحكمة الدوليّة ستصدر أحكامها الأولى بعد أيام في هذه القضيّة الوطنيّة الكبرى التي لم تعد شأناً يتعلق بفرد أو بعائلة أو بتيّار سياسي أو بطائفة بل هو بالفعل كان وما يزال شأناً وطنياً بامتياز يتعلق بحق اللبنانيين في الحياة وبالحرية وبالعدالة. وهو الأمر الذي تعاطت معه معظم الأطراف اللبنانية والدول العربية الشقيقة والدول الصديقة في العالم من هذه الزاوية ولكونه يؤمن مستقبل حريات وجوهر وجود لبنان كرسالة في محيطه وللعالم وفي غيابها يدمرّه بغير رجعة.

\"\\"Image\"
 
 

 

أحمد فتفت
المصدر :النهار
2020-08-11 23:38:24