الافتتاحية
خدمة البريد الالكتروني
المقالات الجديدة

الاعتبارات السياسية السورية تغلب على الإصلاحات العسكرية الروسية

الاعتبارات السياسية السورية تغلب على الإصلاحات العسكرية الروسية
 
\"\\"photo_2020-03-28_18-55-17.jpg\\"\"
الاعتبارات السياسية السورية تغلب على الإصلاحات العسكرية الروسية
ملخّص:  روسيا أمام معضلة في سورية: كيف يمكن تحديث القوات المسلحة، فيما أولويات النظام السياسية تقوّض الإصلاحات المقترحة في إدارة القوى البشرية، وتشكيل القوات، وتنظيم الوحدات القتالية.
 

في 8 فبراير/شباط، 2020، استعادت القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد مدينة سراقب الاستراتيجية في شمال غرب سورية. وعلى الرغم من استعادة المعارضة السورية للمدينة ولبلدات أخرى عدة، تمكّنت قوات النظام من الاستيلاء على عشرين بلدة وقرية في مناطق متفرّقة من محافظة إدلب وغرب حماة، ليصل مجموع المساحة الواقعة تحت سيطرة الحكومة إلى قرابة 25 في المئة من المناطق التي كانت سابقا في قبضة المعارضة. لكن تحقيق هذه المكاسب استغرق من الجيش السوري والمليشيات الموالية ما يفوق السنة، إذ أراد نظام الأسد تفادي إثارة رد عسكري قوي من جانب تركيا التي ترعى إلى جانب روسيا منطقة خفض التصعيد في إدلب. بيد أن أوجه القصور العسكرية للقوات الموالية كانت على القدر نفسه من الأهمية في إعاقة هجوم النظام.

لايزال أمام الجيش السوري نقاط ضعف مزمنة عدة عليه التغلب عليها، على الرغم من زيادة المساعدات العسكرية الروسية منذ العام 2012 والتدخّل العسكري الروسي المباشر في سورية بدءاً من أيلول/ سبتمبر 2015. عملت روسيا على تحسين القيادة والسيطرة في الجيش العربي السوري وتعزيز الفعالية القتالية، لكن الحسابات السياسية لنظام الأسد تعيق هذا الجهد. وهذا يضع صانعي القرار في روسيا أمام معضلة، حيث لا يستطيعون تحويل الجيش السوري إلى قوة قتالية أكثر فعالية واستقلالية على نطاق من شأنه أن يسمح لروسيا بإنهاء مشاركتها وسحب قوات تدخّلها.

 
يزيد صايغ
يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.

لدى روسيا تاريخ غير منقطع من تقديم المساعدة العسكرية إلى سورية منذ العام 1954. فقد كان لروسيا تأثير كبير على المعدات القتالية والتدريب والعقيدة للجيش السوري، زد على ذلك تراث من الاتصالات الثقافية والاجتماعية مع الضباط السوريين. وتعرف وزارة الدفاع الروسية، والتي عملت بمثابة قناة الاتصال الأساس للعلاقة مع سورية أثناء الحرب الأهلية، قدرات ونقاط ضعف الجيش السوري أكثر من أي جهة خارجية أخرى. فقد دعمت الجيش السوري من خلال تعويض خسائره من الأسلحة وتزويده بمعدات جديدة وتوفير التدريب المُتخصص منذ منتصف العام 2012 وصاعدا، ثم عزّزت الروح المعنوية والأداء في ساحة المعركة بواسطة تدخلاتها العسكرية المباشرة ابتداء من أيلول/سبتمبر 2015. ومع نهاية العام 2017، وفقا لرئيس الأركان آنذاك الجنرال فاليري جيراسيموف، كان المستشارون العسكريون الروس، في مجالات المخابرات والمدفعية والهندسة وغيرها، مُدمجين في وحدات الجيش السوري \\\"كلها تقريبا\\\" بدءاَ من الفرقة نزولاً حتى مستوى الكتيبة، حيث ساعدوا على \\\"التخطيط للعمليات وعلى قيادة تلك الوحدات أثناء قيامها بمهامها القتالية\\\".

اتخذت وزارة الدفاع الروسية تدابير إضافية قصيرة الأجل تهدف إلى تعزيز المكاسب العسكرية والإقليمية التي تحققت منذ العام 2015، واستيعاب الميليشيات الموالية من أجل ترسيخ النظام، وتمكين روسيا من إنهاء دورها المباشر في الحرب. تضمنت هذه الإجراءات إنشاء فيلقي الجيش الرابع والخامس في عامي 2015 و2016 (وقد يكون هناك فيلق سادس قيد الإنشاء منذ العام 2019) وتقديم التدريب على مستوى القيادة في روسيا (وفقا لوسائل الإعلام السورية المعارضة، حضر 650 ضابطاً دورات في النصف الأول من العام 2019 وحده). ووفقاً لجيراسيموف، كان مجمل المساعدة الروسية— التي تشمل أيضاً التدريب المكثف على جميع المستويات، والجهد لتعزيز الامتثال للقواعد واللوائح الداخلية، ومساءلة الضباط عن سلوكهم— مستمدّاً من \\\"استراتيجية واحدة وخطة واحدة موجّهة من مركز قيادة [قوة التدخل الروسية] في حميميم\\\".

الضعف القتالي السوري الخطر

على الرغم من الجهود الروسية، لايزال الجيش السوري في حالة محفوفة بالمخاطر. ووفق ما ذكر، تبدو الروح المعنوية والحوافز لدى أكثر من 24000 من صغار الضباط الذين تم تنسيبهم في السنوات القليلة الماضية متباينة في أحسن الأحوال. صحيح أن النظام زاد من اعتماده على المجندين العلويين ومن عسكرة المجتمع العلوي، إلا أن المبادرة لاتزال منخفضة والأداء في ساحة المعركة لايزال ضعيفاً بشكل عام. طوال فترة الحرب، نادراً ما قاتلت وحدات الجيش السوري كوحدات كاملة، وانقسمت بدل ذلك إلى وحدات صغيرة من أجل تعزيز عود الميلشيات الموالية بالأسلحة الثقيلة والخبرة المهنية؛ زيادةً على ذلك، نادرا ما قامت وحدات الجيش السوري بعمليات هجومية كبيرة.

كشفت معركة سهل الغاب في شمال محافظة حماة في تشرين الأول/أكتوبر 2015 عن عجز الجيش السوري عن القيام بعمليات مشتركة للقوات أو تنسيق الدعم الجوي والمدفعي المباشر من دون مشاركة مباشرة للمستشارين والمراقبين الروس. وكانت أوجه القصور نفسها جليّة في فشل النظام في استعادة مدينة تدمر الصحراوية من مقاتلي ما يسمى بالدولة الإسلامية أو الاحتفاظ بها في العام 2017، وكذلك في الهجوم الذي تم شنه بقيادة روسية في محافظة حماة في أيار/مايو 2019. إضافةً، لم يتمكّن الجيش السوري من تعويض خسائره البالغة من القوى البشرية والمعدات، وهو يفتقر إلى السيطرة العملياتية على الميليشيات الموالية التي تقاتل لصالحه، خاصة تلك التي شكلتها وتديرها وتموّلها إيران- وروسيا- على الرغم من أنه من المفترض دمجها في تشكيلات الجيش السوري.

مع ذلك، لم يرضخ الجيش السوري. لكن المفارقة هي أن تماسكه مستمد من شبكات النظام غير الرسمية التي تخترقه من أعلى إلى أسفل، مُتجنبة تراتبية القيادة الرسمية التي يتعامل معها الضباط الروس. يفسر هذا على ما يبدو سبب مقاومة النظام، للمحاولات الروسية الهادفة إلى الانتقال من الغرض الفوري المتمثّل في مساعدة الجيش السوري على الفوز بالحرب الأهلية، ليتطلع إلى إعادة تأهيله في أعقاب ذلك، وهو الأمر الذي يخشى النظام أن يحوّل الجيش السوري إلى أداة ضغط ضده. وهناك ما يشي أن وزارة الدفاع الروسية تدارست الاحتياجات العسكرية لما بعد الحرب (مثلما تشير المقالات المرفقة لكل من أليكسي حليبنيكوف وكيريل سيمينوف وأنطون لافروف). ويوحي إنشاء مكتب جديد للموارد البشرية في الجيش السوري في مطلع العام 2019 بوجود جهود لتشكيل موقع سيطرة جديد داخل الجيش يكون مستقلا عن الرئاسة، على سبيل المثال.

قد يكون الأسلوب الروسي لتحديث وإعادة هيكلة الجيش السوري مستنيراً بالإصلاحات العسكرية التي تم إدخالها في القوات المسلحة الروسية منذ العام 2008، ولاسيما خلال إدارة جيراسيموف منذ أواخر العام 2011. ويشمل ذلك ترقية للمعدات والتكتيكات والتنظيم؛ وزيادة تنسيب المتعاقدين المهنيين وتقليل الاعتماد على المجندين؛ والإدماج الواسع للطائرات بدون طيارين والمنصات الآلية الأخرى لمهام الاستطلاع وتوجيه الضربات؛ وتحسين القيادة والسيطرة وإدارة القتال على المستويات التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية، وذلك بفضل تبادل المعلومات الشبكي والاتصالات المتقدمة بين جميع صنوف القوات المسلحة، وزيادة المبادرة لدى الضباط. وقد جّربت قوات التدخل الروسية بعضاً من هذه الجوانب وغيرها من عقيدة جراسيموف الخاصة بِـ\\\"حرب الجيل الجديد\\\" في سورية، واستخدمتها كحاضنة للتعلم والتدريب والابتكار.

لم يظهر الجيش السوري استعدادا كبيرا لاتباع عقيدة جراسيموف، خصوصا لأن نظام الأسد لا يوافق على الفرضية الأساسية التي يعمل بها التفكير الروسي، وهي أن الجيش السوري يحتاج إلى اكتساب طابع مؤسسي عالٍ مع إبقائه بعيدا عن السياسة، لكي يصبح قوة مقاتلة أكثر فاعلية. وهذا يتطلّب بالضرورة تجريده من الصبغة الطائفية أيضا. أما من وجهة نظر النظام، فإن التحدي المحتمل الأكبر لبقائه هو داخلي، لذلك كان أحد تدابيره الأكثر وضوحا يتمثّل في تشديد قبضة الأسد الشخصية على هيكلية القيادة والسيطرة. وهكذا، تم استبدال رئيس الاستخبارات العسكرية ورئيس الأركان في الجيش السوري في آذار/مارس ونيسان/أبريل 2019، إلى جانب رئيسي المخابرات الجوية وما يسمى بِـ\\\"قوات النمر\\\" في حزيران/يونيو وآب/أغسطس 2019. وفي الوقت نفسه، أحال مكتب الموارد البشرية الذي تم تشكيله حديثا، العديد من الضباط إلى التقاعد أو أعاد توزيعهم بين المناصب القيادية، واعتقل بعضا منهم بحسب ما ذُكر. كذلك، استخدم الأسد ضباطاً سابقين في الجيش السوري لإحكام قبضته على أجهزة الأمن والمخابرات المنتشرة في كل مكان، وعيّن زميلا مقربا وزيرا للداخلية في أواخر العام 2018، الذي نقل بسرعة عشرات من كبار الضباط، واستبدل رؤساء مكتب الأمن القومي، وإدارتي الأمن الجنائي والأمن السياسي، والمخابرات العامة في حزيران/يونيو. ومع حلول شهر تموز/يوليو، أعاد النظام تعيين 400 ضابط أمن داخلي، كثير منهم مُفرَزين من الجيش السوري.

معضلة السيطرة السياسية

ليس جلياً إلى أي مدى تعكس مثل هذه الإجراءات محاولة الأسد لمجابهة النفوذ الروسي داخل الجيش السوري، أم التعاون معه لتحسين الأداء العسكري، أو احتواء النفوذ الإيراني وحصره على بضعة وحدات، مثل الفرقة الرابعة المدرّعة بقيادة شقيق الرئيس ماهر الأسد. هذا السؤال يطرح نفسه في ما يتعلق بالجهود التي نقلتها التقارير الهادفة إلى استعادة الوحدات المستنفدة أو إنشاء وحدات جديدة مثل الفرقة 30 التابعة للحرس الجمهوري، بالإضافة إلى فيلقي الجيش الآنف ذكرهما، وإعادة تسمية الوحدات المرتجلة مثل \\\"قوات النمر\\\"، والتي أصبحت فرقة المهمات الخاصة 25. تبدو عملية إعادة بناء الجيش السوري وزيادة قدراته وكفاءته أمراً منطقياً من وجهة النظر الروسية، ولكن المفارقة أن استمرار استعداد كل من روسيا وإيران لتدعيم النظام يسمح له بإعطاء الأولوية لترسيخ سيطرته السياسية عوض ذلك.

تُملي الظروف القاهرة الكثير على الأسد ونظامه، الذي لا ينفك يتخلّى عن السيطرة على الميليشيات الموالية لحلفائه الروس والإيرانيين؛ ويقبل بنفوذهم حيال توجهات ومواقع ووتيرة العمليات القتالية؛ ويقبل مراراً الحلول في المقعد الخلفي وراء القيادة الروسية في حملات الجيش السوري. أحيانا، تكون هذه التنازلات في غاية الوضوح، كما هو الحال مع تهميش الأسد أولا خلال زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى مقر القيادة العسكرية الروسية في حميميم في كانون الأول/ديسمبر 2017، ومرة أخرى خلال زيارة بوتين الثانية في كانون الثاني/يناير 2020، والتي قدّم خلالها تقريراً عسكرياً أمام وسائل الإعلام بحضور الأسد. كما كان وزير الدفاع السوري مهمشاً بشكل فاقع.

على الرغم من هذه المعاملة، لم يفعل النظام الكثير من أجل تصحيح العيوب الصارخة في الجيش السوري التي بمقدوره معالجتها، بما في ذلك التصدي للفساد وسوء معاملة المنتسبين على أيدي الضباط، والحد من التفاوت في الأجور ومن العداوات بين جنود الجيش السوري وعناصر المليشيات الموالية، وتشجيع صعود القادة الأكفاء كوسيلة لتحفيز وإعادة تأهيل الوحدات المنهكة من المعركة. من دون هذه التدابير وغيرها، ليس لدى النظام أمل كبير في استقطاب المليشيات- سواء كانت موالية أو معارضة (بما في ذلك قوات سورية الديمقراطية بقيادة الأكراد)، وكل منها يساوي أو يفوق الجيش السوري من ناحية العدد- ووضعها تحت السيطرة الفعلية والإطار التنظيمي لوزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة للجيش السوري. كما قد لا يكون النظام قادراً على تسريح المليشيات من دون التعجيل بمزيد من الفوضى المسلّحة.

كل هذه التحديات تجسّد جوهر معضلة روسيا في سورية. إذ إن تحديث وإعادة هيكلة الجيش السوري لا يتعلقان بإعادة التجهيز بالمعدات القتالية أو إعادة التدريب، بقدر ما ترتبطان بتحويل آليات تحكّم النظام بها. وتشمل هذه الآليات كيفية إجراء التنسيب والتعيينات والترقيات؛ وإدراك الضباط أن العلاقات غير الرسمية والمحسوبية هي ما يهم في التقدم الوظيفي وليس التعليم العسكري؛ والتلاعب الحزبي بنظام القضاء العسكري؛ وعدم كفاية الأجور والمعاشات التقاعدية، (ما فاقم انتشار المحسوبية والفساد)؛ وعدم تقدير ضباط الصف؛ واستخدام التجنيد كوسيلة للسيطرة الاجتماعية والإكراه والعقاب. هذه العوامل، كما هو معروف، هي التي ينبع منها تماسك وفعالية أي جيش، لكنها مشوّهة في الحالة السورية.

تفتقر روسيا إلى النفوذ اللازم من أجل إحداث مثل هذه التغيرات، كما تعوقها أيضا سلطتها المحدودة في جنوب وشرق سورية، حيث تقاومها القوات الموالية المدعومة من إيران. لا بل تبدو روسيا مستعدة في الواقع، لأن تصبح جزءاً من تسويات النظام، حين تصل إلى طريق مسدود، ويتضح ذلك من خلال إذعانها للنشاط التجاري للفرقة المدرعة الرابعة لماهر الأسد، والتي تتم إدارتها من خلال مينائي طرطوس واللاذقية اللتين تخضعان للمراقبة الروسية، بدعم من القصر الرئاسي. إن بلوغ الزخم الكافي لتحقيق إعادة الهيكلة العسكرية (ناهيك عن الإصلاح) في ظل هذه الظروف، يتطلب استثماراً لرأس المال السياسي والمادي يفوق على الأرجح ما يمكن لروسيا أن تقدّمه. وهي بدل ذلك، ستتبع نهجاً واقعياً وانتهازياً في هذا المجال كما فعلت على الدوام في المجال الدبلوماسي: أي اقتراح الحلول التي تعتبرها معقولة وفعالة من حيث التكلفة، ثم القبول بما هو أقل من ذلك بكثير حين تغلب الحسابات السياسية لنظام الأسد على التفضيلات والمقترحات الروسية.

 
يزيد صايغ
المصدر :مركز كاريغني
2020-03-29 18:02:17